هل من مهام الأحزاب إعداد الدساتير ؟

صعدت إلى قبة باردو أسماء لا يعرفها السواد الأعظم من الشعب. جحافل من المنتخَبين الذين لم يظهروا قط في وسائل الإعلام وتواصلوا بالكاد خلال الحملة الإنتخابية مع الناخبين في حدود دائرتهم. في المقابل بقيت أسماء معروفة على خط التماس. مناضلون قدامى لا يشكك أحد في قدرتهم على تمثيل قطاعات واسعة من الشعب، مثل راضية النصراوي. أساتذة مختصون في القانون الدستوري اختاروا الترشح في قائمات مستقلة التفت إليها القليل القليل من الناس، مثل قائمة الصادق بلعيد. مجموعات من المستقلين الذين جعلوا من الدستور شغلهم الشاغل منذ 20 مارس 2011، بل وحرروا بعد مشروع دستور يحمله آلاف المواطنين فيما أصبح يعرف بـ »دستورنا ». كل هؤلاء لم يحظوا بمقعد في قصر باردو. صعدت أحزاب كان مناصروها يعدون عشية الثورة بالمئات فأصبحوا يعدون يوم 23 أكتوبر بمئات الآلاف. وفي حين كانت المهمة الوحيدة للمجلس هي إعداد الدستور القادم للبلاد، لم تتوان الأحزاب المترشحة عن تقديم الوعود الإنتخابية كما لو تعلق الأمر بانتخابات برلمانية وكما لو أنها سوف تحكم البلاد لخمس سنوات. وعندما ربحت الإنتخابات النزيهة الأولى في تاريخ البلاد، تصرفت فعلا كما لو أنها ستحكم البلاد لخمس سنوات أو أكثر وصار الدستور موضوعا ثانويا.
أليس الشعب هو الذي نادى بمجلس تأسيسي ؟ ألم يقم المعتصمون الدنيا ولم يقعدوها في ساحة القصبة مطالبين وبإلحاح بانتخاب مجلس تأسيسي يضع دستورا جديدا للبلاد ؟ أم أن هذا المطلب حملته أقلية فاعلة في حين كانت الغالبية العظمى للشعب تريد فعلا انتخابات رئاسية وتشريعية وإصلاحات فورية، مع إصلاح ما فسد من دستور وقوانين ؟
تستوقفني الآن تلك اللقطات المسجلة في ساحة القصبة لشبان يحملون مطلب المجلس التأسيسي، وحين تسألهم عن ماهية المجلس التأسيسي يتلعثمون ولا يعرفون ماذا يجيبون. لقد أراد هؤلاء قطعا جذريا ونهائيا مع الماضي وتصوروا أن ذلك لا يمكن أن يكون إلا بانتخاب مجلس وطني تأسيسي، وهو حدث أعمق من انتخابات تشريعية أو رئاسية، كما أنه يحيل إلى لحظة تأسيسية في تاريخ الدولة الحديثة، ألا وهي لحظة الإستقلال. لا أظن المطالبين بمجلس تأسيسي في ذلك الوقت يتصورون نجاح الأحزاب في الهيمنة شبه المطلقة على ذلك المجلس، ولا هيمنة الأحزاب الفائزة على الحياة السياسية واحتكارها الحكم باسم شرعية الصندوق. في ذلك الوقت (اعتصام القصبة 2) لم يكن حزب المؤتمر فهم اللعبة بعد، كان يطالب بانتخابات رئاسية فحسب، ولم تكن قياداته تحظى بحب الجماهير،خاصة بعد أن أعلن المرزوقي ترشحه للرئاسيات أياما فقط بعد هروب بن علي. تغيرت المعطيات بعد ذلك. تعهدت الحكومة الإنتقالية حينها بتنظيم انتخابات المجلس التأسيسي ونظمت الأحزاب صفوفها ودخلت المعركة ببعض الزاد النضالي والتاريخي والرمزي لتخلق لنفسها هوية جديدة ومشروعا يستهوي الناخب. أمام ماكينات الحرب تلك التي كانت تتطاحن، خرج المجتمع المدني والمستقلون والمنظمات الوطنية بخفي حنين، إذ لم يكن لهم مكان في المعركة أصلا باعتبارها معركة أحزاب لا معركة أفكار.
من سيكتب دستور تونس اليوم ؟ سيكتبه مجلس تأسيسي اغلبه نكرات. ستكتبه الأحزاب، أحزاب انتخبت من أجل الشهرة التي تتمتع بها ومن أجل العلامة التجارية التي تحملها. النهضة تحمل علامة الهوية والإسلام، المؤتمر يحمل علامة القطيعة مع الماضي والتكتل علامة اللين والوسطية. في مفاجئة لم تكن الوحيدة في الإنتخابات صعد مترشحو العريضة الشعبية، مجسدين لانتظارات الشعب الآجلة والفورية. « هوية وإسلام، قطيعة مع الماضي، لين ووسطية، انتظارات آجلة وفورية ». لهذه المفاهيم صوت الشعب التونسي، ولم يكن يهمه اسم مرشح النهضة أو المؤتمر في دائرته، كما أن الكثيرين لا يعرفون أصلا أسماء المترشحين الذين صوتوا لفائدتهم. يتعين أن نعترف أنه لم تكن هنالك برامج للأحزاب، لا على المستوى الوطني ولا على مستوى الدوائر. فقط إعلان نوايا ومبادئ عامة وخطوط كبرى. حتى المشاريع الجهوية التي دافع عنها المترشحون في الجهات لم تكن إلا أصداء انتظارات المواطنين وفي بعض الأحيان مشاريع سبق وأن اقترحتها الحكومة الإنتقالية (مثلا : مشروع القطب التكنولوجي في سيدي بوزيد وهو أحد نقاط برنامج النهضة). سكتت الأحزاب عن الكيفية التي ستمول بها هذه المشاريع، وسكتت عن الكيفية التي ستدار بها البلاد للخروج من أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة. بعض تلك الأحزاب لم يعترف أصلا بوجود تلك الأزمة، معتبرا أنها فزاعة تستعملها حكومة قائد السبسي. وإجمالا كان آداء الأحزاب ضعيفا ومرتجلا. ولنا أن نتساءل الآن، بعد أكثر من ثلاثة من انتخابات 23 أكتوبر : هل أن إعداد الدساتير هو من مهام الأحزاب ؟ وهل كان من الحكمة اعتماد قانون انتخابي يقصي المستقلين على مستوى وطني ؟
كان يمكن للمجلس التأسيسي أن يضم ثلثين من ممثلي الأحزاب وثلثا من المستقلين وممثلي المجتمع المدني وذلك حتى لا يكون الدستور محل تجاذبات سياسية فقط. كان يمكن الإبقاء على لجنة الخبراء، مع إعطاءها ثقة المجلس بالإقتراع، وتكليفها بإعداد الدستور دون التجاذبات الممجوجة التي رأيناها بين الترويكا والمعارضة وداخل الترويكا نفسها. وللتذكير فإن المجلس التأسيسي الأول لم يخل من ممثلين عن الجمعيات والمنظمات الوطنية الذين انخرطوا حينئذ ضمن الجبهة الوطنية التي قادها الحزب الدستوري والتي فازت بكل المقاعد. اليوم، نعد دستورا دون حضور ممثلي اتحاد الشغل أو منظمة الأعراف أو اتحاد الفلاحين. في غفلة منا صار التحزب هو الطريق الوحيد لكتابة ولو حرف وحيد في دستور سيحدد معالم البلاد للقرن المقبل، أو ربما القرنين القادمين. قوض الشعب دكتاتورية الحزب الواحد والمعارضة الكرتونية ليقيم دكتاتورية الأحزاب المتعددة، أما المجتمع المدني وقوى الشعب الحية التي ترفض التحزب، فلها الشارع…
كريم الماجري ـ عضو مؤسس بجمعية مذكرات الحرية
pixelstats trackingpixel
You can leave a response, or trackback from your own site.

One Response to “هل من مهام الأحزاب إعداد الدساتير ؟”

  1. Aymen dit :

    Depuis 23 ans (voir depuis toujours), les corps intermédiaires (syndicats, patronat, Associations des droits de l’homme, de parents d’élèves ..) ont été négligés en Tunisie.
    Leurs représentants ont été au mieux des dissidents au pire des suppots du régime.
    Devant l’impératif urgent de rédiger une constitution, la seule légitimité a été celle des urnes.
    La constituante était une erreure, ou meme une faute politique.
    Pour autant, la court-circuiter par des « personnalités indépendantes » est un déni de démocratie.
    Surtout que certaines des personnalités indépendantes citées dans l’article se sont présentées au suffrage populaire, sans succès.

Leave a Reply