أحبّك يا شعب: الإتحاد العام التونسي للشغل – نبذة تاريخية

الإتحاد العام التونسي للشغل، إسم كبير و تاريخ أكبر، لكن للأسف، العديد من التونسيين لا يعرفون من شخصياته سوى مؤسسه فرحات حشّاد و و أمينه العام الأخير المتخلّي عبد السلام جراد، و قدد تأسس الإتحاد من أجل التحرر الوطني و الدفاع عن الطبقة الشغيلة و يمكننا القول بأن الهدف الأول تحقق فعليا يوم 14 جانفي.

(نشر هذا المقال لأول مرة في العدد الثالث من جريدة مذكرات الحرية )
(العدد الرابع صدر مؤخّرا – هنا)

ساهم الإتحاد العام التونسي للشغل بصفة نشيطة في تأطير الثورة و مساندتها، و إذا علمنا أن أمينه العام السيد عبد السلام جراد كان قد ناشد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي في إنتخابات 2009، فإنه من حقنا أن تسائل عن هذا التناقض و هدف هذا المقال التمحيص في تاريخ الإتحاد في محاولة لفهم هذا التناقض الذي عاشه الإتحاد تقريبا منذ الإستقلال

تتزامن ظهور الحركة النقابية مع إنتشار الفكر اليسار بالمستعمرة التونسية بدايات القرن العشرين (يمكن العودة للمقال الفارط حول اليسار التونسي) ، و كان محمد علي الحامي أول قياديها من خلال جامعة عموم العملة التونسية (إلى جانب الطاهر الحداد) غير أن التجربة فشلت ولم تدم سوى بضعة أشهر (1924)، بعدها تعددت الكنفدراليات و النقابات (موانئ، عمال بناء، بلديات) دون برنامج وطني واضح، و تمّ هذا من خلال مجهود فرحات حشّاد الذي تمكّن من توحيد عمّال الجنوب التونسي (1943) و من بعده الإتحاد العام التونسي للشغل في 20 جانفي 1946 و تمّ إنتخابه أمينا عامّا لها

وطنيا شارك الإتحاد في صراع التحرر الوطني إلى جانب المكونات السياسية على الساحة التونسية آنذاك، فكان قريبا في الفكر من الحزب الشيوعي التونسي (حركة التجديد لاحقا) من ناحية حقوق العمال لكنه كان ينتقد الشيوعية (حشّاد 1951) و كان يتناقض في الرؤى مع الحزب الدستوري الجديد رغم التعاون الوثيق بين المنظمتين في الوقوف أمام الإستعمار الفرنسي بل وكان الإتحاد القوة الأولى في مواجهة الإستعمار الفرنسي في الخمسينات بعد إعتقال أو نفي قيادات حزب الدستور، وكان الأمين العام، القائد فرحات حشاد الشخصية السياسية الأكثر تأثيرا على الجماهير وهو ما دفع قوات الإحتلال إلى تصفيته

يوم 5 ديسمبر 1952، أغتيل القائد الشهيد فرحات حشّاد على يد عصابة اليد الحمراء الفرنسية، و لازلنا إلى حد اليوم لا نعلم إلا القليل حول هوية قتلته، و يجدر بالذّكر أن مظاهرات عديدة إنطلقت في عدد من العواصم العالمية تنديدا بمقتله (القاهرة، دمشق، بيروت، كراشي، جاكرته، ميلان، بروكسيل و ستوكهولم)، و يرقد جثمانه اليوم في ضريح خاص به في القصبة بتونس العاصمة

في الصراع الذي شقّ الحزب الدستوري حول وثيقة الإستقلال الداخلي سنة 1955، ساند الإتحاد شق بورڨيبة على حساب صالح بن يوسف و تواصل التقارب بين الشق المنتصر من الدستور و الإتحاد إلى حد تسمية عدد من الكوادر النقابية في أول حكومة إستقلال و كان أحمد بن صالح الذي كان أمينا عامّا للإتحاد المثال الأوضح على هذه العلاقة، فكان وزيرا للصحة قبل أن
يتولّى قيادة الوزارات الإقتصادية وكان مهندس سياسة التعاضد و التي إنتهت بالفشل الذريع و محاكمته و حبسه

بعد فشل تجربة التعاضد و تطور الحركات الإجتماعية، و رغم قرب بعض قيادات الإتحاد من السلطة، فإنه قرر الإضراب العام
يوم 26 جانفي 1978، و سقط العشرات من الشهداء في المواجهة، و أصبح بالتالي الإتحاد العام التونسي للشغل أقوى « معارض » للسلطة في غياب بديل يساري ملتحم بالشعب إلى جانب حركة إسلامية كانت تهادن السلطة آنذاك و تساندها من حين لأخر

في بداية الثمانينات راوح النظام التونسي بين الإنفتاح و القمع، و هو ما أدى إلى إنفجار أحداث الخبز التي شاركت فيها قواعد الإتحاد العام التونسي للشغل بنشاط مقابل موقف غير واضح من قبل قياداته، لكن هذا لم يشفع له و تمت محاولة تصفيته نهائيا و حوكم الأمين العام الحبيب عاشور في قضية « كوسوب » سنة  1985(و هي المحاكمة الثالثة له بعد 1965 و 1978) وكانت المحاكمات طريقة بورڨيبة المثلى لإبعاد كل من يراه خطرا على حكمه أو حزبه

و يبقى الحبيب عاشور رمزا للإستقلالية في الإتحاد إلى جانب أحمد التليلي الذي كان مساندا لحركات التحرر في إفريقيا، قائدا للكفاح المسلح ضد الإستعمار، مقرّبا من الثورة الجزائرية و نائبا لرئيس السيزل (الجامعة العالمية للنقابات الحرّة )، وكان حبيب عاشور مقرّبا من بورڨيبة و ساهم في ترجيح كفته على حساب صالح بن يوسف لكنه كان معارضا لتصفيتهم جسديا وتعددت الخلافات بين الشخصيتين وبقي النقابي في السجن حتى صعود بن على إلى الحكم

بعد التحول، صعد إسماعيل السحباني إلى الأمانة العامة و كان قريبا من السلطة مساهما في تحجيم الدور النقابي في تونس، لكن النظام فتح ملف فساده المالي سنة 2000 و تم سجنه و عوّضه عبد السلام جراد الذي تجاوز خطّا أحمرا سنة 2004 من خلال مساندته لترشح بن علي في الإنتخابات الرئاسية، وساندت قيادة الإتحاد التوجه الليبيرالي للحكومة وخصخصة بعض المؤسسات الوطنية دون إعتبار لحقوق الشغالين كما تم تجميد كل النقابيين الذين حاولو التحرّك من أجل الدفاع عن حقوق الطبقة الشغيلة (عدنان الحاجي على سبيل الذكر لا الحصر) غير أن التاريخ أبى إلا أن يُذكر عبد السلام جراد كالأمين العام الذي سقط في نيابته بن علي و حزب الدستور
للحكومة

الثورة: كانت القواعد و الكوادر الوسطي تساند الثورة بطريقة نشيطة، و كانت المظاهرات تنطلق من المقرات الجهوية للإتحاد و يحتمي بها كل من يريد أن يهرب من بطش البوليس غير أن القيادة لم تتخذ موقفا واضحا (بل ولم تساند الوقفة الإحتجاجية في 25/12/2010 في ساحة محمد علي) وواصلت الكوادر الجهوية تحركاتها إلى جانب الشعب و بقية القوى الحية حتى إسقاط بن علي يوم 14 جانفي و كنس بقايا نظامه من خلال تحركات القصبة 1 و 2.

عموما كان الإتحاد العام التونسي للشغل تحت تناقض دائم منذ الإستقلال و حتى الثورة: بيروقراطية نقابية طالما مكّنت السلطة من مقايضة القيادات المتعاقبة من خلال تقديم تنازلات عن الحق العمالي أمام عدم فتح ملفات فسادهم، و من ناحية الأخرى كان الإتحاد تحت ضغط نقابي كبير (و بالتالي مطالب إجتماعية و سياسية عديدة) إلى جانب إلتحاق العديد من المعارضين السياسيين به لإستحالة العمل السياسي في عهد المخلوع، فكانت الكفة تميل من جهة إلى أخرى حتى كانت الغلبة للمناضلين في ثورة الحرية و الكرامة.

ما بعد الإنتخابات : بقي الإتحاد يحمل « أمراضا » عانى منها سنينا طويلة تحت القمع، فلازالت البيروقراطرية تنخر جسده، و لازال البعض يرى فيه مكونا حزبيا لا نقابيا قد يمكن من تحقيق التوازن المفقود في الساحة السياسية التونسية، و هو ما يتعارض مع الرسالة النقابية النبيلة، فهل سينجح الإتحاد العام التونسي للشغل في الرجوع إلى موقعه الأصلي؟

صابر عباس

pixelstats trackingpixel
You can leave a response, or trackback from your own site.

One Response to “أحبّك يا شعب: الإتحاد العام التونسي للشغل – نبذة تاريخية”

  1. نكمال dit :

    دور الإتحاد العام التونسي للشغل خلال المرحلة الانتقالية
    ما هو دور الإتحاد العام التونسي للشغل خلال المرحلة الانتقالية ؟
    سؤال يفرض نفسه على زعماء الحركة النقابية التونسية و مناضليها في ظل التحولات الجوهرية في الميدان السياسي كما في الميدان الاقتصادي و الاجتماعي التي يشهدها العالم العربي و الإسلامي؛تحت تأثير وعي حقيقي للمواطن العربي و مطالبته علنا دون تردد و لا خوف من الأجهزة القمعية بوضع حد لحالات الضعف و الوهن التي مني بها عقودا من الزمن،حتى استجاب له القدر و حَضِي بما لم يكن في الحسبان.
    قال تعالى في مطلع سورة الحشر
     » …هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا و ظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا و قذف في قلوبهم الرعب… »
    وهكذا التاريخ يعيد نفسه … فمن كان يتوقع هذا الخروج – بل الفرار- الذليل لطغاة هذه الأمة … فما كنّا نحلم بفرصة كالتي بين أيدينا لتحقيق الانتقال الديمقراطي و الإصلاح السياسي و الاجتماعي و بناء صرح هذه الأمة على غرار الأمم الراقية.
    فما هو موقع الإتحاد العام التونسي للشغل و هو الطرف الأكثر فاعلية في مجريات الأحداث في هذه المرحلة الانتقالية بالذات.
    فقد كان الإتحاد العام التونسي للشغل منذ تأسيسه سنة 1946 (خلال المؤتمر الذي انعقد بالمدرسة الخلدونية. وقد ضم أول مكتب لها- الزعيم فرحات حشاد – كاتبا عاما والشيخ محمد الفاضل بن عاشور- رئيسا.-) رمزا للنضال و التضحية في سبيل الوطن . فقد تولى زعيمه فرحات حشاد خلال فترة المقاومة العنيفة قيادة الحركة الوطنية، وهو ما كلفه الاستشهاد يوم 5 ديسمبر 1952.
    و لكن ظل مناضلو الإتحاد يقاومون الاستعمار ويفشلون مخططاته بأكثر حدة و شراسة و ما زادهم استشهاد حشاد إلا إيمانا و إصرارا ،
    و كما كان الإتحاد رمزا للنضال و التضحية إبّان الاستعمار ظلّ كذلك رمزا في البناء و التشييد إبّان المرحلة الانتقالية مباشرة بعد الحصول على الاستقلال الذاتي في 20مارس 1956،
    و لم يسجل التاريخ أي صدام للإتحاد مع السلطة إلاّ بعد 22 سنة من البناء و التشييد (دون كلل أو ملل و دون طمع أو مطالب لا تتماشى مع ظروف المرحلة أو زيادات مشطة…)؛رغم ظهور خلافات سياسية و فكرية عميقة بين قيادات الإتحاد و الحزب الحاكم آنذاك ؛( ففي سنة 1956 أبعد السيد أحمد بن صالح- المنتخب بالإجماع- عن الأمانة العامة بأمر من بورقيبة. ثم السيد الحبيب عاشور سنة 1965. وقد نصب عوضا عنه أمين عام موال للسلطة هو السيد البشير بلاغة).و أمام كل ذلك اقتضت حكمة قيادي الإتحاد آنذاك و النفس الوطني الحر لمناضليه تأجيل ردود الفعل حتى تستقر الأوضاع بالبلاد.
    حيث أعلن الاتحاد العام لتونسي للشغل و لأول مرّة الإضراب العام في البلاد وهو ما أدى إلى مواجهات وصدامات في الشارع سقط خلالها العشرات فيما يعرف في –يوميات التاريخ التونسية –بالخميس الأسود في 26 جانفي 1978.
    هذا هو تاريخ الإتحاد زمن المرحلة الانتقالية بعد الاستقلال فهلاّ اتعظ إخواننا قيادات الإتحاد و مناضليه الأوفياء ، و جنبوا البلاد الإضرابات العشوائية و المطالب المجحفة التي أضرّت بالاقتصاد فألهبت الأسعار و أضرّت بالمقدرة الشرائية للمواطن و باعدت تحقيق أهداف الثورة.
    لقد ساند و دعم الإتحاد حكومة بورقيبة الأولى في المرحلة الانتقالية (من الاستعمار إلى الاستقلال) لمدة 22 سنة رغم وجود خلافات معه ؛ فهلاّ ساند إتحادنا اليوم هذه الحكومة الفتية الشرعية المنتخبة ولو لمدة 22 شهر فقط و دون صرف اهتماماتها إلى متاهات و عراقيل نحن في غنى عنها في هذه المرحلة بالذات… و لأجل المصلحة الوطنية فقط.
    فأي دور للإتحاد العام التونسي للشغل في كل مرحلة انتقالية ،غير تحقيق الاستقرار و دفع عملية البناء و التنمية و محاربة الفساد و المفسدين و القضاء على البطالة و تحقيق العدالة الاجتماعية ، بالتنسيق طبعا مع الأطراف الفاعلة و صناع القرار في البلاد.
    فدور الإتحاد يجب أن يستجيب لمتطلبات هذه المرحلة الانتقالية الحساسة حتى نضمن نجاحها ففي نجاحها نجاح للثورة و لكل التونسيين و في مقدمتهم النقابيون الأوفياء ، و انتصار للديمقراطية.
    و ليدرك قادة الإتحاد و مناضليه الأوفياء أن دوره قبل الثورة لا يمكن أن يكون نفسه خلال المرحلة الإنتقالية للثورة ، كما لا يمكن أن يستمر كذالك بعد الإنتهاء من تحقيق أهداف الثورة.
    فما كان النقابيون دعاة فوضى و لا معاول تخريب و لا جرا فات هدم لمكاسب الأمة و مقدراتها و لا قاطعي الطرق المؤدية للاستقرار و زيادة الإنتاج و تشجيع الاستثمار؛
    و أخيرا على قيادات الإتحاد المتتالية أن تحبّ هذا الشعب الأبي كما أحبه الزعيم فرحات حشاد فيحترموا خياراته الفكرية و السياسية و العقائدية و أن يصطفوا وراء شعارات ثورته المجيدة قصد تحقيق أهدافها و حماية مكاسبها .
    لا لإتحاد يخدم مصالح حزبية ضيقة ، نعم لإتحاد مستقل و مسئول يدافع على خيارات الشعب و يحمي مكتسباته و يتطلع إلى مصير أفضل.

    عاش الإتحاد حرا منيعا مناضلا في خدمة مصالح الأمة و شريكا فاعلا في تحقيق أهداف الثورة.

    و الســــــــــلام

    كمال سهيل كاتب عام نقابة أساسية للتعليم الثانوي سابقا

Leave a Reply